الشيخ محمد الصادقي الطهراني

266

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فالسجود بكافة صنوفه في هيئات خاصة أو دونها ، له معنى واحد : « غاية الخضوع » : طوعا أو كرها بأرجائه وأجوائه ، مهما اختلفت شاكلته وحالاته وغاياته ، اللهم إلّا هتكا وهزأً ! إذا فلا تهمنا وتعنينا أن الملائكة كيف سجدوا ويسجدون ، وبعد ما سكت اللّه عنها ، وانما أنهم خضعوا للغاية وتذللوا للنهاية بما لا يحق إلّا للّه ، فسبحان اللّه عما يصفون ! . فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ . . . لا شك أن إبليس لم يكن من الملائكة كونا في أصله وهيئته مهما كان منهم في كيانه وظاهر عبادته ، فقد « كان من الجن ففسق عن امر به » ولو كان من الملائكة لم يفسق عن أمر ربه : « بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ، لايَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » « يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لايَفْتُرُونَ » . كما وأن الملائكة أيضا تعترف أن الجن لا تسانخهم ولا تجانس : « وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ . قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ » ( 34 : 41 ) ومن ثم فإبليس له ذرية : « أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي » ( 18 : 50 ) ولا ذرية إلّا بين ذكر وأنثى ، والجن منهم نساء ومنهم رجال : « وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ » والملائكة لا ذكور فيهم ولا إناث : « وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ » وإذ لا إناث فيهم فلا رجال ، أم - على أقل تقدير - ليست لهم ذرية فإنها بين رجال وإناث ! . فترى إذ لم يكن إبليس من قبيل الملائكة فكيف يشمله أمر السجود الخاص بالملائكة : « وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ » ؟ وكيف يعتبر عاصيا إذ لم يسجد ، أفعصيانا دون ذنب ؟ ! إنه أمر ولعله مرتين ، إحداهما : « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » ( 7 : 12 ) كما وهو معترف بالأمر : « فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً » ( 17 : 61 ) وإلّا كان يعتذر ويعترض بعدم الأمر ! فلقد شمله أمر الملائكة - كما وعلّه اختصه امر ثان - شمله حيث كان في العبادة بكيان الملائكة ، وحتى في مكان الملائكة ، فعدّ منهم من حيث الملائكية الروحانية ، مهما اختلف عنهم في غيرها ، عبد اللّه معهم كما كانوا يعبدون ، ردحا بعيدا من الزمن نفاقا عارما